عبد الوهاب الشعراني
103
تنبيه المغترين
أحدهم كان يتناول نحو الزبيبة ونحو القطرة من الماء ليخرج بذلك عن الوصال المنهي عنه وذلك هو الظن بهم واللّه أعلم . وقد أجمع القوم على أن الجوع من أعظم أركان الطرق حتى قالوا إذا طلب المريد الأكل بعد خمسة أيام فأمروه بالكسب فإنه لا يصح منه في الطريق ، وكان أبو عثمان الجيزي رحمه اللّه تعالى يقول : كنت أمكث السنة كاملة في بداية أمري وسياحتي لا يخطر الأكل على بالي إلا إن حضر بين يدي ا ه ، فانظر يا أخي جوعك تجده كلا شيء بالنسبة لجوع هؤلاء القوم رضي اللّه عنهم مع أن جوعهم لم يخرج عن السنة كما مر تقريره لقوتهم عليه ، وما نهى عن الجوع بالأصالة إلا لخوف الضرر على النفس . وكان سهل بن عبد اللّه التستري رحمه اللّه تعالى يقسم عقله وقوته ومعرفته إلى سبعة أجزاء فكان لا يأكل حتى يذهب من كل واحدة ستة ويقول لولا أخاف الهلاك كنت لا آكل حتى تفنى السبعة أجزاء ، فاعلم ذلك والحمد للّه رب العالمين . السلامة ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : تقديمهم السلامة على الغنيمة من حيث رفض الدنيا وفراغ يدهم منها فكانوا يقدمون فراغ يدهم من الدنيا وإنفاقها في سبيل اللّه تعالى خوفا أن يمنعوا منها حقها حتى كان أحدهم يقول يا طالب الدنيا لتبر بها غيرك تركك لها أبر وأبر ، وكان الجنيد رحمه اللّه يقول : تجريد العبد من الدنيا أفضل من جمعها وإنفاقها . وقد كانوا إذا قيل لأحدهم خذ هذه الدراهم ففرقها على المساكين يأبى ذلك ويقول : إن من جمعها أولى بتفرقتها وربما يكون فيها حرام وشبهة فتكون الهناء للفقراء والتبعة على من فرق ، وكان الحسن البصري رحمه اللّه تعالى يقول : إن من تفرغ لعبادة ربه أفضل ممن تركها وسعى على عياله ، وقد كان إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه تعالى يقول : إن بينكم وبين القوم بعدا أقبلت عليهم الدنيا ففروا منها وأدبرت عنكم فتبعتموها ، وكان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى يقول : تجرع مرارة الدنيا أشد من تجرع مرارة الصبر ، وكان مالك بن دينار رحمه اللّه تعالى يقول : لا يبلغ أحد منازل الصديقين حتى يترك زوجته وكأنها أرملة وأولاده وكأنهم يتامى .